...... أماكتاب "الانتصار"، الذي ألفه أبو الحسين الخياط في الرد على أحمد بن يحيى، المشهور بابن الريوندي، ]ويسميه الروَندي، والمعروف خطأً بالراوندي[. وكلا الرجلين كانا من المعتزلة: معتزلة بغداد أولاً وبالذات. وعاش الخياط في النصف الثاني من القرن الثالث، بينما امتدت حياة ابن الريوندي خلال النصف الأول من القرن نفسه. فواقع الحال يشير إلى أنهما لم يتعاصرا أبداً، بالإضافة إلى أنهما من اتجاهين فقهيين مختلفين، فابن الريوندي كان على وفق منهج الكثرة من متشيعة معتزلة ببغداد، لكن الخياط كان على مذهب القلة من البغداديين، من أهل السنة على طريقة البصريين.
من هنا كان تشدد الخياط وتعصبه على ابن الريوندي لأنه ألف كتابا في" فضيحة المعتزلة " يفضح فيه أبا عثمان الجاحظ الذي ألف كتابا في "فضيلة المعتزلة "، فقد كان الجاحظ شديداً على جمهور متشيعة المعتزلة البغداديين، انتصاراً للمعتزلة البصريين، كما هو معروف.
الغريب في الأمر، أنّ الكثير من مؤرخينا القدماء كانوا يكذبون، بل إنَّ قسماً منهم كان يلفق القضايا لتنسجم مع عناصر مذهبه العَقديّ والديني، فكانت إيديولوجية الانتحال والتزييف صورة قائمة وعمياء أمام التعصب الديني أو المذهبي، لغرض خلق مناخات لا يتوفر فيها الهواء النقي في كل الأحوال.
لم يكتف بعض خصومه بالكذب عليه، وتزوير أقواله، بل بهتوا قراءهم بأن اختلقوا الأساطير التافهة )ذات الصفات البهلولية والجحائية( قاصدين منها محو الشخصية العقلانية عند ابن الريوندي وإلباسها ثوب أحمق سخيف لا قيمة له. فانتشرت تلك الأساطير بين الناس في العراق وإيران فهم إلى اليوم يروون حكايات قريبة الصلة بالشخصيات الهزلية في التاريخ كبهلول وجحا، ولكنهم يفترونها على ابن الريوندي.
|