موسوعة ابن الريوندي
تحقيق وتقديم أ.د. عبد الأمير الأعسم.
عاصر ابن الريوندي "المشهور خطأً بابن الراوندي" المعتزلة والحنابلة والشيعة والزنادقة والملحدين والفلاسفة والمتكلمين من شتى الصنوف، فتأثر بهم، وأثر في مدارسهم ومناهجهم وأسلوب أفكارهم. وتقلب مع التيارات الفكرية، فكان معتزلياً، ثم شيعياً، ثم سياسياً معارضاً للسلطة الرجعية للدولة، فمستنيراً حاول أن يؤسس مدرسة عقلية جديدة لها أسلوبها الجديد. فاتهم، جراء ذلك كله، بالزندقة والكفر والإلحاد، فتبرأت منه الفرق الإسلامية كافة، لجرأته المنقطعة النظير في الجدل الديني، تصدى ابن الريوندي لنقض عقائد المعتزلة، حاول إصلاح عقائد الغلاة من أهل الفرق الأخرى، فلاقى، بسبب ذلك كله، عنت المتعصبين، فعوقب عقابين. الأول أن سرت عدوى التبرؤ منه إلى كل الفرق دون تمييز، والثاني أنه حورب، وطورد حتى مات في منفاه. واتهِمَ، بعد وفاته بزمن، بشتى التهم التي وجدناها توجه في العادة إلى الأحرار المستنيرين في تاريخ الفكر الحر.
لم يكتف بعض خصومه بالكذب عليه، وتزوير أقواله، بل بهتوا قراءهم بأن اختلقوا الأساطير التافهة (ذات الصفات البهلولية والجحائية) قاصدين منها محو الشخصية العقلانية عند ابن الريوندي وإلباسها ثوب أحمق سخيف لا قيمة له. الغريب في الأمر، أنّ الكثير من مؤرخينا القدماء كانوا يكذبون، بل إنَّ قسماً منهم كان يلفق القضايا لتنسجم مع عناصر مذهبه العَقَديّ والديني، فكانت إيديولوجية الانتحال والتزييف صورة قائمة وعمياء أمام التعصب الديني أو المذهبي، لغرض خلق مناخات لا يتوفر فيها الهواء النقي في كل الأحوال.
كتب ابن الريوندي في الفلسفة وعلم الكلام والجدل والنحو والدين والسياسة والمنطق مؤلفات كثيرة لم يصلنا منها كتاب كامل غير شذرات متفرقة نسبها المتأخرون إليه.
شغل ابن الريوندي حيزاً عظيماً في كتب التراث، ولكنه حيز مشتت، ممزق، مشكوك فيه. فلقد وصلت كل أخباره في كتب خصومه من المؤلفين، ولم يفكر في الدفاع عنه غير اثنين هما ابن خلكان والشريف المرتضى. ومع ذلك، فنحن نجد دون عناء أن الإسلاميين، على اختلاف أفكارهم، قد استثارتهم مؤلفاته إلى حد الدهشة. فرد عليه الكندي، وأبو سهل النوبختي، وأبو محمد النوبختي، والخياط المعتزلي، وأبو الحسن الأشعري، وأبو القاسم البلخي الكعبي، وأبو زيد البلخي، وأبو علي الجبائي، وأبو هاشم الجبائي، والبردعي، والفارابي، وغيرهم الكثير. ولم يصلنا من كل تلك الردود غير كتاب الانتصار للخياط الذي قصد منه الرد على كتاب فضيحة المعتزلة، ذلك الكتاب الخطير الذي ألفه ابن الريوندي في الرد على كتاب فضيلة المعتزلة للجاحظ، فبسط فيه كل المتناقضات في أفكار المعتزلة، تماماً بعد أن انفصل عنهم، فتنكروا له طوال قرون. لقد صار ابن الريوندي، لأجل ذلك، شبحاً يقضّ مضاجع شيوخ المعتزلة، خصوصاً وهو العارف بكل دقائق وأسرار مذاهبهم ومجالسهم. عرف رؤساءهم ودرس عليهم في مطلع حياته الفكرية، فكان دارساً لأبي الهذيل العلاف، وإبراهيم النظام، وأبي موسى المردار، وبشر بن المعتمر، وجعفر بن مبشر، وجعفر بن حرب، والاسكافي، وعباد بن سليمان، وأبي زفر، وأخيراً زميله وخصمه الجاحظ.
تصدى ابن الريوندي لنقض عقائد المعتزلة، حاول إصلاح عقائد الغلاة من أهل الفرق الأخرى، فلاقى، بسبب ذلك كله، عنت المتعصبين، فعوقب عقابين. الأول أن سرت عدوى التبرؤ منه إلى كل الفرق دون تمييز، والثاني أنه حورب، وطورد حتى مات في منفاه. واتهِمَ، بعد وفاته بزمن، بشتى التهم التي وجدناها توجه في العادة إلى الأحرار المستنيرين في تاريخ الفكر الحر. فالمصادر تكاد تجمع على أنه نقد القرآن، والأنبياء، وعرض بالأديان كافة، وسخر من الأساليب السياسية في انتخاب إمام المسلمين (الخليفة) وإلى ما شئت من تجريح بالدين وعلومه. ورووا عنه مقولات وأفكاراً لا سبيل إلى تصديقها. بل وجدنا من تعرّض لنقده والتشهير به والتقرب إلى الله بلعنه، تدينا وتعففاً ابتغاء كسب الحسنات. والأنكى أن من هؤلاء من كان هو نفسه متهماً بالزندقة والإلحاد، كأبي العلاء المعري وأبي حيان التوحيدي، وغيرهما من المتشككين في الدين. إضافة إلى مجهولين، من خصوم الدين ورجاله، تستروا تحت اسمه للتأليف في ما هو محظور البحث فيه في الوسط الفكري اللاديني، فنسبت إليه مؤلفات وكتب عجيبة، ونقلت عنه أفكار لا يقصد منها إلاّ التخريب في الظاهر. وغرض هؤلاء وأولئك أن يشيعوا ما آمنوا به هم أو لإبعاد التهم عنهم، فلم يجدوا أحسن من شخصية ابن الريوندي ذي السمعة الزنديقية التي لا تعرف للحياء الديني حدودا معينة.
لعلّ هناك أكثر من تساؤل يخطر ببال القراء: لماذا إبن الريوندي الآن؟ ولماذا تعاد صورته إلى الواجهة في بانوراما الفكر المعتزلي، أولاً، والفكر الإسلامي ثانياً. فالقضية هي ليست استقراء كل ما قيل عن مفكر متهم بالانحراف عن الخط العَقَديّ الديني في الاعتزال، ومصادرته في ردود الأفعال في العقائد الأخرى: شيعية وأشعرية وما تُريديَّة.
الغريب في الأمر، أنّ الكثير من مؤرخينا القدماء كانوا يكذبون، بل إنَّ قسماً منهم كان يلفق القضايا لتنسجم مع عناصر مذهبه العَقَديّ والديني، فكانت إيديولوجية الانتحال والتزييف صورة قائمة وعمياء أمام التعصب الديني أو المذهبي، لغرض خلق مناخات لا يتوفر فيها الهواء النقي في كل الأحوال.
لم يكتف بعض خصومه بالكذب عليه، وتزوير أقواله، بل بهتوا قراءهم بأن اختلقوا الأساطير التافهة (ذات الصفات البهلولية والجحائية) قاصدين منها محو الشخصية العقلانية عند ابن الريوندي وإلباسها ثوب أحمق سخيف لا قيمة له. فانتشرت تلك الأساطير بين الناس في العراق وإيران فهم إلى اليوم يروون حكايات قريبة الصلة بالشخصيات الهزلية في التاريخ كبهلول وجحا، ولكنهم يفترونها على ابن الريوندي.
موسوعة ابن الريوندي الملحد؛ تكشف بصورة واضحة عن الطرق المشوشة التي عالج بها المؤرخون كتابة السيّر لسابقيهم والأحداث الماضية على أزمانهم، بلا تمحيص أو تدقيق، فغاب الحق هنا، وشاع الباطل هناك، والجميع يقلد السابق في المنقول دون المعقول.
يكفي أن نشير أخيراً إلى أن إهداء هذا الكتاب الضخم :
إلى أدونيس،
شاعراً، مفكراً ، صديقاً. |